صديق الحسيني القنوجي البخاري
168
أبجد العلوم
اعلم : أن اللّه سبحانه وتعالى جعل الرئاسة وحسن الذكر حفظا للشرع والعلم مثل الحبّ الملقى حول الشبكة ، وكالشهوة الداعية إلى التناسل ، ولهذا قيل : « لولا الرئاسة لبطل العلم » . وأن يزجر عما يجب الزجر عنه بالتعريض لا بالتصريح . فائدة [ ثانية : ] ومنها أن يبدأ بالأهم للمتعلم في الحال إما في معاشه أو في معاده ، ويعين له ما يليق بطبعه من العلوم ، ويراعي الترتيب الأحسن حسبما يقتضيه رتبته على قدر الاستعداد . فمن بلغ رشده في العلم ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم ، وإلا فحفظ العلم وإمساكه عمن لا يكون أهلا له أولى به ، فإن بث المعارف إلى غير أهلها مذموم ، وفي الحديث : « لا تطرحوا الدّرر في أفواه الكلاب » . وكذا ينبغي أن يجتنب إسماع العوام كلمات الصوفية التي يعجزون عن تطبيقها بالشرع ، فإنه يؤدي إلى انحلال قيد الشرع عنهم فيفتح عليهم باب الإلحاد والزندقة . فينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة ، وإن عرض لهم شبهة يعالج بكلام إقناعي ، ولا يفتح عليه باب الحقائق فإن ذلك فساد النظام . وإن وجد ذكيا ثابتا على قواعد الشرع جاز له أن يفتح عليه باب المعارف بعد امتحانات متوالية لئلا يتزلزل عن جادة الشرع . فائدة [ ثالثة : ] اعلم أنه يجب على الطالب أن لا ينكر ما لا يفهم من مقالاتهم الخفية وأحوالهم الغريبة ، إذ كل ميسر لما خلق له . قال الشيخ « 1 » في ( الإشارات ) « 2 » : « كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذكر عنه قائم البرهان » انتهى . وإنما الغرض من تدوين تلك المقالات التذكرة لمن يعرف الأسرار ، والتنبيه على من لا يعرفها بأن لنا علما يجل عن الأذهان فهمه حتى يرغب في تحصيله كما في الحديث : « ألا من العلم كهيئة المكنون لا يعرفها إلا العلماء باللّه تعالى فإذا نطقوا لا ينكره إلا أهل الغرّة » . وروي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال : « حفظت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دعاءين ، أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ، وغرضهم عدم إمكان التعبير عنه وخوف مقايسة السامعين الأحوال الإلهية بأحوال الممكنات فيضلوا بسوء الظن في قائلها فيقابلوه بالإنكار » انتهى . قلت : المراد بالدعاء الآخر أخبار دولة بني أمية - كما صرح به أهل الحديث - ومن قال بخلافه لم يأت بما يشفي الغليل ، فإن شئت الاطلاع على تمام الكلام في ذلك فارجع
--> ( 1 ) هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن الحسن بن سينا ، فيلسوف الإسلام المتوفى سنة 428 ه ( معجم المؤلفين : 1 / 618 ) . ( 2 ) هو كتاب « الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة » وهو أحد مؤلفاته الكثيرة .